العيني
25
عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان
قاسوا من أهلها ما قاسوا مثله من التتار ، وقتل من المسلمين خلق لا يعلم عددهم إلا الله تعالى . وقال صاحب النزهة : وكان وصولنا إلى قلعة حمص والشمس في الغروب ، فوجدنا أهلها فوق الأسوار يبتهلون إلى الله عز وجل بالدعاء وكانوا ينادون : يا مسلمون الرجعة الرجعة لا تسلمونا إلى العدو ، يا مسلمون المروءة المروءة ، ولم يلتفت إليهم أحد ، فتباكوا وبكت الناس وبكى السلطان الناصر ، ثم قال للأمير حسام الدين : يا أبي أنت ما قلت إن المسلمين يقفون ويقاتلون نوبة ثانية في حمص ومالي لا أنظر أحداً يقف ويقاتل . فقال : يا خوند ما يقاتلون إلا في دمشق وقصدهم أن يستجروا العدو حتى يتبعوهم ويدخلوهم في مواضع ليس لهم خبرة بها ، وكل ذلك يريد به التعلل للسلطان لئلا يزداد خوفه . قال الراوي : وما وصلنا إلى حمص إلا وأكثر الخيل قد وقفت ولم تتحرك خصوصاً خيول الأمراء والمماليك الموقرة ، ولما دخل الليل انقطع التتار من خلف عسكر المسلمين . قال : ثم وصلنا إلى بعلبك صبيحة الجمعة ونحن كلنا محتاجون إلى قوت أنفسنا ولخيولنا ، فوجدناها قد أغلقت ، وصعدت أهلها على الأسوار وكانوا يتناولون الفضة بالحبال ، فمنهم من يُعطى ما يطلبه صاحب الفضة ومنهم من يأخذ الفضة ويغيب من فوق السور ولا يراه أحد . قال : ثم أصبحنا يوم السبت ودخلنا إلى دمشق وتلقتنا أهلها بالويل والثبور ، وما أقمنا فيها غير ساعة واحدة ووقع الصياح بأن طوالع العدو قد لاحت ، فخرجت الناس لا يلتفتون إلى شيء ، وأكثرهم خرجوا بلا زاد ، وأما أهل دمشق فمنهم